نماذج للتأسي: عثمان بن عفان وقوة الحياء والبذل
الإقتداء
نماذج
للتأسي :
عثمان بن
عفان و قوة
الحياء و
البذل
توطئة : هو
عثمان بن عفان ، يجتمع نسبه مع الرسول صلى الله عليه و سلم في الجد الخامس من جهة
أبيه عبد مناف . فهو قريشي أموي . ولد بالطائف ، و قيل بمكة بعد عام الفيل بست
سنين . كان إسلامه قديما قبل دخول الرسول صلى الله عليه و سلم دار الأرقم . أخذه
عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية لما أسلم فأوثقه رباطا وقال : أترغب عن ملة آبائك إلى
دين محدث . و الله لا أحلك أبدا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين . فقال عثمان :
و الله لا أدعه أبدا و لا أفارقه . فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه . و كان
عثمان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة الهجرة الأولى و الهجرة الثانية و معه فيهما
جميعا امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله
عليه و سلم . و لما توفيت زوجه النبي أم كلثوم ، و لهذا سمي ذو النورين .
روى البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : كنت مع النبي صلى
الله عليه و سلم في حائط من حيطان المدينة ( .... ) ثم استفتح رجل ، فقال لي ـ أي
رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ ( افتح
له و بشره بالجنة على بلوى تصيبه . فإذا عثمان ، فأخبرته بما قال رسول الله صلى
الله عليه و سلم ، فحمد الله ، ثم قال : الله المستعان ) رواه البخاري رقم 3695 . بعد طلوع فجر الإسلام و
انتشاره في الآفاق ، احترقت قلوب للكيد له و المكر بأهله .فخطط عبد الله بن سبأ هو
و يهود صنعاء الإطاحة بصهر رسول الله صلى الله عليه و سلم . و أظهروا التشيع لعلي
، و أظهروا له الحب و الولاء . و يبثون في نفوس المسلمين سموم الفتنة و الفساد
.كان من نتائج ذلك محاصرة الثائرين عليه بيته . و أمر رضي الله عنه من عنده من
المهاجرين و الأنصار أن ينصرفوا إلى منازلهم و يدعوه ، وذلك شوقا للقاء ربه و حقنا
لدماء المسلمين و لو بقتله .أهوى أحد الثوار بسيفه إليه فاتقاه عثمان بيده فقطعها
. فقال عثمان : أما و الله إنها لأول كف خطت المفصل . فقتل رضي الله عنه و المصحف
بين يديه . و على اثر قطع اليد انتضح الدم على المصحف الذي كان بين يديه يقرأ منه .
الحياء :
مقام عثمان مقام
الحياء . و الحياء فرع يتولد من إجلال من يشاهده و يعظم قدره ، مع نقص في النفس .
فكأنه غلب عليه إجلال الحق تعالى ، و رأى نفسه بعين النقص و التقصير ، و هما من جليل
خصال العباد المقربين . فعلت رتبة عثمان كذلك ، فاستحيت منه خلاصة الله من خلقه ،
( رسول الله صلى الله عليه و سلم و الملائكة ) . و الحياء من أشهر أخلاق عثمان رضي
الله عنه . زينه الله بها ، فكانت فيه منبع الخير و البركة ، و مصدر العطف و
الرحمة ، فقد كان رضي الله عنه من أشد الناس حياء . و في رواية لمسلم عن يحيى بن
سعيد بن العاص قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إن عثمان رجل حيي ، و إني خشيت
إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته ) ح 2402
. ذكر الحسن البصري رحمه الله عثمان بن عفان و شدة حيائه فقال :
انه ليكون في البيت ، و الباب مغلق ، فما يضع عنه ثوبه ليفيض عليه الماء كان عثمان من أكرم الأمة و أسخاها .
إن ثمرة الإيمان
القوي بالله عز وجل و اليوم الآخر الذي وقر في قلب عثمان رضي الله عنه و جعله
يستهين بكل شئ في هذه الحياة حتى بالحياة نفسها . و الذي ينفق المال في سبيل الله
بسخاء إنما هو مجاهد و شجاع . و قد أنفق الكثير حتى قال رسول الله صلى الله عليه و
سلم ( ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم ) مرتين سنن الترمذي رقم 3785 .
·
لما قدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة لم
يكن بها ماء عذب غير بئر رومة . فقال رسول الله : من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع
دلاء المسلمين بخير له في الجنة . أخرجه البخاري . و قيل كانت رومة ليهودي يبيع
المسلمين ماءها ، فاشتراه عثمان بن عفان من اليهودي بعشرين ألف درهم ، فجعلها
للغني و الفقير وابن السبيل . فتح الباري ج 5 /
ص 408
·
لما ضاق المسجد الذي بناه رسول الله صلى الله
عليه و سلم بالمدينة بالناس ، رغب أن يشتري بعض الصحابة بقعة بجانب المسجد لكي
تزاد في المسجد حتى يتسع لأهله . فقال صلى الله عليه و سلم : ( من يشتري بقعة آل
فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة ؟) فاشتراها عثمان من صلب ماله
.صحيح سنن الترمذي للألباني ( 3 / 209 رقم 2921 .
·
عندما أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم غزوة
تبوك حث الصحابة الأغنياء على البذل لتجهيز جيش العسرة الذي أعده رسول الله صلى
الله عليه و سلم لغزو الروم . فأنفق كل واحد على حسب طاقته و جهده . أما عثمان فقد
أنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها .

