الرسول صلى الله عليه و سلم
مفاوضا و مستشيرا
المفاوضة :
لغة مصدر من فاوض فلانا في الأمر أي بادله الرأي فيه بغية الوصول إلى تسوية و اتفاق.
و اصطلاحا تقريب المواقف ووجهات النظر بهدف تحقيق المصلحة .
و لا بد لإنجاح التفاوض من شروط ثلاث :
الأول طرفاه أو أطرافه . وقد يتم بالأصالة أو بالنيابة
الثاني مرونة في الموقف ، و
القدرة على احتواء الطوارئ . و هذا يعني البعد عن التصلب في الرأي و الموقف و
التحجر فيه .
الثالث القضية موضوع التفاوض لا بد من تحديد ما هو مركزي ، و ما هو
هامشي . تحديد الهدف و كذا الوسائل المسخرة لتحقيقه .
من نماذج مفاوضات الرسول صلى الله عليه و سلم :
لما دخلت الدعوة الإسلامية مرحلة الجهر ، استعملت قريش أسلوب التهديد
في التفاوض مع الرسول صلى الله عليه و سلم
فكان الرد : (يا عم و الله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك
هذا الأمر ـــ حتى يظهره الله أو أهلك فيه ـــ ما تركته ) . ثم عدلت عن ذلك بالإغراء
فقالوا ( ... فان كنت جئت بهذا إنما تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون
أكثرنا مالا ، و إن كنت تطلب الشرف فينا سودناك علينا ، و إن كنت تريد ملكا ملكناك
علينا ، و إن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن تراه قد غلب عليك بذلنا أموالنا في
طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك .
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( ما بي ما تقولون ، ما جئتكم
أطلب أموالكم ، و لا الشرف فيكم ، و لا الملك عليكم ، و لكن الله بعثني إليكم
رسولا ، و أنزل علي كتابا ، و أمرني أن أكون لكم بشيرا و نذيرا ، فبلغتكم رسالة
ربي و نصحت لكم ، فان تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا و الآخرة ، و إن
تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيننا و بينكم .
في السنة الرابعة للهجرة خرج النبي صلى الله عليه و سلم إلى بني
النضير يستعينهم في دية قتيلين من بني عامرقتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ . و كان
بين بني النضير و بين بني عامر حلف . قالوا يا أبا القاسم . و لما خلا بعضهم إلى
بعض قالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه . و رسول الله صلى الله عليه و
سلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة
فيريحنا منه ؟ فأتى رسول الله الخبر من السماء بما أراد القوم ، فقام و خرج راجعا إلى
المدينة . قال ابن هشام : حاصرهم ست ليال
.و قذف الله في قلوبهم الرعب . و فاوضوا رسول الله و سألوه أن يكف دماءهم ، و أن
يجليهم و لهم ما حملت إبلهم من أموالهم .
الشورى اسم من التشاور . و في اللغة شرت العسل و أشرته إذا أخذته من
موضعه و استخرجته .و اصطلاحا شاوره استخرج ما عنده من رأي . و الشورى من المبادئ
التي مدحها القرآن في مكة ، و أمر بالعمل بها ، و ممارسة الحياة العامة على أساس
منها في المدينة .
و من أبرز فوائدها :
هي من العبادات التي يتقرب بها إلى الله ، و هي تلقيح الرأي بآراء
متعددة و اغناؤه ، و هي تطييب للقلوب و مدعاة ذهاب الأضغان ، وهي مما يجب أن يستن
به من بعد النبي صلى الله عليه و سلم . و من نماذج استشارات الرسول :
ذكر البخاري في كتاب المغازي عن عبد الله بن مسعود قال : شهدت من
المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به . أتى النبي صلى الله
عليه و سلم و هو يدعو على المشركين فقال : لا نقول كما قال قوم موسى ( قالوا يا
موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت و ربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون
) المائدة 24 . و لكن نقاتل عن يمينك و عن شمائلك و بين يديك و خلفك
. فرأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم أشرق وجهه . و بعد ذلك عاد رسول الله فقال
( أشيروا علي أيها الناس ) و كان يقصد الأنصار
لأنهم غالبية جنده . و قد أدرك سعد بن معاذ و هو حامل لواء الأنصار مقصد النبي صلى
الله عليه و سلم فنهض قائلا : ( و الله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال صلى الله
عليه و سلم : أجل . قال : (لقد آمنا بك و صدقناك ، و شهدنا أن ما جئت هو الحق ، و
أعطيناك على ذلك عهودنا و مواثيقنا على السمع و الطاعة . فامض يا رسول الله لما
أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، و ما تخلف
منا رجل واحد ...
بعد أن جمع الرسول صلى الله عليه و سلم معلومات عن
قوات قريش سار مسرعا و معه أصحابه إلى بدر فنزل عند أدنى ماء من مياه بدر . و هنا
قام الحباب بن منذر ، و قال : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل ، أمنزل أنزلكه الله
ليس لنا أن نتقدمه و لا نتأخر عنه ؟ أم هو الرأي و الحرب و المكيدة ؟ قال : بل هو
الرأي و الحرب و المكيدة ) . قال : يا رسول الله فان هذا ليس بمنزل فانهض يا رسول
الله بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم ــ أي جيش المشركين ــ فننزله و نغور ما وراءه من الآبار ثم نبني عليه
حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب و لا يشربون . فأخذ برأيه .
الرسول صلى الله عليه وسلم مفاوضا ومستشيرا
4/
5
بواسطة
wahatifno

