الإيمان و الفلسفة
لا بد من استهلال هذا
الموضوع : الدين و الفلسفة ، باستغراب هذا الاحتقان الحاصل بين المنتسبين لهذا
الحقل أو ذاك . و الأغرب من ذلك أن كلى الطرفين يروج لثقافة الحوار المثمر ، و
احترام حق الآخر في الاختلاف ، و حسن الظن ، و التماس الأعذار المفضية للوصال بدل
التدابر ، و الوحدة داخل التعدد .
و بالرجوع إلى القرآن الكريم نجده يحفل بالكثير من الآيات التي تحض
على النظر و التدبر و التفكر . و تحمل على من يرفض استخدام طاقته العقلية ، و
نزعته النقدية تجاه العقائد الموروثة مستسلما لتقليد الآباء و الأجداد . يقول الله
عز وجل في سورة البقرة ) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ
يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ
أُولُو الأَلْبَابِ(
فعلى المومن أن يجعل إيمانه
مرتكزا على أساس التفكير و الاستنتاج . و ينعي القرآن من لا يستغل طاقته العقلية
في سبيل الهداية و معرفة الحقيقة . يقول
الله عز وجل في سورة الأعراف ) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ
لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا
وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ
أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ )
و لقد رأى فيلسوف الإسلام
المعاصر محمد إقبال في فكرة ختام النبوة إعلانا لافتتاح طور إنساني جديد يعلن
انتهاء عهد النبوات و ميلاد عهد الفكر و الرشد الإنساني . و في ذلك إشارة لطيفة
إلى أنهما مطالبان بالبناء المشترك لا الإقصاء .
لقد تم تناول موضوع
الدين و الفلسفة تارة بمحاولة دمج أحدهما في الآخر تحقيقا للوحدة الفكرية . و قد
أفضى ذلك إلى تشويههما لأن كلاهما فقد
خصوصيته ، وكل واحد منهما تلبس بالآخر. و بالفصل بينهما تارة أخرى. فللدين مجاله
الخاص و له مبادئه و أصوله الخاصة . و للفلسفة مجالها الخاص و لها كذلك مبادئها و
أصولها الخاصة . و ينجم عن ذلك اختلاف البناء الديني عن البناء الفلسفي .و هما مع
ذلك يلتقيان في الغاية و الهدف . فحرص أصحاب هذه المقاربة على التماس المشروعية للفلسفة
من الدين ، و التماس المشروعية للدين من الفلسفة . و لا بد من الالتزام بقراءة
القضايا الدينية داخل الدين و القضايا الفلسفية داخل الفلسفة .
إن الخلاف بين الخطاب
الديني و الخطاب الفلسفي يتجلى في طريقة التعبير عن الحقيقة . فالأول رسالة إلى
الناس كافة متعلمين و غير متعلمين . هدفه تقويم التصور و السلوك . و هو يخاطب
العقل و الحس و الخيال . و هذا بخلاف الثاني .
و كمثال على المزاوجة
بين الدين و الفلسفة باعتبارهما مسلكين منفصلين في الوجهة و متصلين في المقصد ما ورد في رسالة حي بن يقظان لأبي جعفر بن طفيل
:
( .....لم يشك أسال في أن جميع الأشياء التي وردت
في شريعته من أمر الله عز وجل و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و جنته و
ناره هي أمثلة هذه التي شاهدها حي بن يقظان فانفتح بصر قلبه و انقدحت نار خاطره و
تطابق عنده المعقول و المنقول و قربت عليه طرق التأويل و لم يبق عليه مشكل في الشر
ع إلا تبين له و لا مغلق إلا انفتح و لا
غامض إلا اتضح و صار من أولى الألباب . و عند ذلك نظر إلى حي بن يقظان بعين
التعظيم و التوقير و تحقق عنده أنه من أولياء الله الذين لا خوف عليهم و لا هم
يحزنون . )
الإيمان والفلسفة
4/
5
بواسطة
wahatifno

